الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
78
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
مخرجيهما وأدغمت في الدال ونقلت حركة التاء إلى الهاء الساكنة ( ولا أهمية إلى قراءة قالون عن نافع إلى قراءة أبي عمرو بجعل فتح الهاء مختلسا بين الفتح والسكون لأن ذلك من وجوه الأداء فلا يعد خلافا في القراءة ) . وقرأ حفص عن عاصم ، ويعقوب - بفتح الياء وكسر الهاء وتشديد الدال - على اعتبار طرح حركة التاء المدغمة واختلاف كسرة على الهاء على أصل التخلص من التقاء الساكنين . وقرأ أبو بكر عن عاصم - بكسر الباء وكسر الهاء - باتباع كسرة الياء لكسرة الهاء . وقرأ حمزة والكسائي وخلف - بفتح الياء وسكون الهاء وتخفيف الدال - على أنه مضارع هدى القاصر بمعنى اهتدى ، كما يقال : شرى بمعنى اشترى . والاستثناء في قوله : إِلَّا أَنْ يُهْدى تهكم من تأكيد الشيء بما يشبه ضده . وأريد بالهدي النقل من موضع إلى موضع أي لا تهتدي إلى مكان إلا إذا نقلها الناس ووضعوها في المكان الذي يريدونه لها ، فيكون النقل من مكان إلى آخر شبه بالسير فشبه المنقول بالسائر على طريقة المكنية ، ورمز إلى ذلك بما هو من لوازم السير وهو الهداية في لا يَهِدِّي إِلَّا أَنْ يُهْدى . وجوز بعض المفسرين أن يكون فعل إِلَّا أَنْ يُهْدى بمعنى إهداء العروس ، أي نقلها من بيت أهلها إلى بيت زوجها ، فيقال : هديت إلى زوجها . وجملة : فَما لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ تفريع استفهام تعجيبي على اتباعهم من لا يهتدي بحال . واتباعهم هو عبادتهم إياهم . فَما استفهامية مبتدأ ، و لَكُمْ خبر ، واللام للاختصاص . والمعنى : أي شيء ثبت لكم فاتبعتم من لا يهتدي بنفسه نقلا من مكان إلى مكان . وقوله العرب : ما لك ؟ ونحوه استفهام يعامل معاملة الاستفهام في حقيقته ومجازه . و في الحديث أن رجلا قال للنبي صلى اللّه عليه وسلم دلني على عمل يدخلني الجنة ، فقال الناس : « ما له ! ما له ! » فقال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : « أرب ما له » . فإذا كان المستفهم عنه حالا ظاهرة لم يحتج إلى ذكر شيء بعد ( ما له ) كما وقع في الحديث . وجعل الزجاج هذه الآية منه فقال : فَما لَكُمْ : كلام تام ، أي شيء لكم في عبادة الأوثان . قال ابن عطية : ووقف القراء فَما لَكُمْ ثم يبدأ كَيْفَ تَحْكُمُونَ .